ابن الجوزي

30

كشف المشكل من حديث الصحيحين

وأمرهما إلى من ولي الأمر . ومعنى تعروه : تغشاه وتنتابه . ومما عاب الناس على عثمان أنه أقطع مروان بن الحكم فدكا ، قال أبو سليمان الخطابي : لعله تأول قول رسول الله : « إذا أطعم الله نبيا طعمة فهو للذي يقوم من بعده » فلما استغنى عثمان عنها بماله جعلها لأقربائه ( 1 ) . وفي هذا الحديث أن فاطمة هجرت أبا بكر . وربما أشكل هذا ، فقال قائل : أتراها اتهمته فيما روى ؟ والجواب : أنها خرجت من عنده غضبى ؛ لأنها سمعت قولا يخالف ما عليه الناس من التوارث ، فكأنها ظنت في أبي بكر أنه شبه عليه فيما روى مما يخالف الكتاب ، واتفق مرضها وامتد ، فقيل : هجرت أبا بكر ، ووافق ذلك امتناع علي من مبايعته ظنا منه أن النسب يؤثر في الولاية كما أثر في حمله « براءة » إلى أن بان له الصواب فبايع أبا بكر ، رضي الله عنهم أجمعين . فإن قيل : إذا كان علي عليه السلام انقطع عن البيعة ، ووافقه جميع بني هاشم ، فكيف يقال : إن بيعة أبي بكر ثبتت بالإجماع ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن القوم انقطعوا عن البيعة وما أنكروها ، وإذا تكلم بعض العلماء في مسألة ، وسكت بعضهم ، لم يقدح سكوت الساكت فيما أجمع عليه المتكلمون ؛ لأنه يجوز أن يكون الساكت سكت راضيا ، أو لينظر . والثاني : أنه ما انقرض ذلك العصر حتى انعقد الإجماع ، فبايعه من تقاعد منه .

--> ( 1 ) « سنن أبي داود » ( 2973 ) ، و « المسند » ( 1 / 4 ) . وينظر « الأعلام » ( 2 / 1349 ) .